السيد محمد تقي المدرسي
36
من هدى القرآن
إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ فولاؤه عليه السلام لربه الذي فطره وخلقه ، وليس لآبائه ، رغم كونه وُلِدَ منهم لأنهم لم يكونوا سوى سبب ، وإذا كان الأمر كذلك فإن فاطره أولى بهدايته منهم . [ 28 ] وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي جعل كلمة الرفض والبراءة مما يعبد الآباء باقية في عقبه لعلهم يرجعون إليها من الانحراف ، ولم يجعل إبراهيم عليه السلام نفسه رمزا باقيا يُتَّبع ويُطاع ، لأن العصور تختلف ، وإنما كان إبراهيم نذيرا ، وإنه لا بد أن يكون لكل قوم هاد ولكل عصر إمام . وهكذا نستوحي فكرة من هذه الآية وآيات أخرى أن الأجيال التي تأتي بعد نهضة مباركة ينبغي أن يستفيدوا منها تجربة النهوض دون أن يعطوها كل الشرعية ، ويحولوها إلى عقبة في طريق التطوير والتجديد ، أو يجعلوها كهف الهروب من الواقع ومسؤولياته الثقيلة ، كلا . . إن لكل جيل نهضته التي تأتي في مواجهة وضع فاسد يختلف عن ذلك الوضع الذي نهض السابقون في محاربته . وهكذا فسرت هذه الآية في النصوص الدينية بالإمامة ، فجاء في حديث مأثور عن هشام عن الإمام الصادق عليه السلام أنه سئل : [ هَلْ تَكُونُ الإِمَامَةُ فِي أَخَوَيْنِ بَعْدَ الحَسَنِ وَالحُسَيْن عليهما السلام ؟ فقال : لَا ، إِنَّمَا هِيَ جَارِيَةٌ فِي عَقِبِ الحُسَيْنِ عليه السلام كَمَا قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ : وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ثُمَّ هِيَ جَارِيَةٌ فِي الأَعْقَابِ وَأَعْقَابِ الأَعْقَابِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ ] « 1 » . [ 29 - 30 ] وفي مقابل إبراهيم عليه السلام وذريته من بعده الكفار الذين يتقلبون في نعم الله مما دعاهم إلى الكفر وهكذا انقسم أبناء إبراهيم عليه السلام فريقين : فريق منهم حمله أمانة الرسالة ، وجعل فيه كلمة الإمامة ، لعل الآخرين يجعلونهم مرجعا لهم في شؤون دينهم ودنياهم ، أما الفريق الآخر ( وهم الأغلب ) فقد ابتلاهم الله بالنعم فأترفوا فيها بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمْ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ ( 29 ) وَلَمَّا جَاءَهُمْ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ لما ناموا على حرير النعم ، واطمأنوا إليها رفضوا أي فكرة جديدة ، وقالوا : هذا سحر ، ونحن كافرون به . كانوا يحسبون أن هذه المتع التي متعهم ربهم بها دليل صلاحهم ، ولكن قد تكون المتع والنعم استدراجا منه سبحانه ، قال تعالى : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [ آل عمران : 178 ] . وقال عزَّ وجلَّ : وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [ الأعراف : 183 ] . وربما تعني الآية أن الله متَّعهم حتى إذا جاءهم
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 25 ص 249 .